تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣

فصل

وأما الإركاس فقال تعالى :
* فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
( 88 ) [ النساء ] . قال الفراء : أركسهم : ردهم إلى الكفر ، وقال أبو عبيدة : يقال : ركست الشيء وأركسته ، لغتان ، إذا رددته ، والركس : قلب الشيء على رأسه . أو رد أوله على آخره . والارتكاس : الارتداد . قال أمية :
فأركسوا في حميم النار إنهم * كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا
ومن هذا يقال للروث : الركس ؛ لأنه رد إلى حال النجاسة ، ولهذا المعنى سمي رجيعا ، والركس والنكس والمركوس والمنكوس بمعنى واحد . قال الزجاج : أركسهم : نكسهم وردهم . والمعنى : أنه ردهم إلى حكم الكفر من الذل والصغار . وأخبر - سبحانه - عن حكمه وقضائه فيهم وعدله ، وإن كان إركاسه كان بسبب كسبهم وأعمالهم ، كما قال :
بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ المطففين : 14 ] فهذا توحيده ، وهذا عدله ، لا ما تقوله القدرية المعطلة من أن التوحيد إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر .

فصل

وأما التثبيط فقال تعالى :
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
( 46 ) [ التوبة ] . والتثبيط : رد الإنسان عن الشيء الذي يفعله ، قال ابن عباس : يريد خذلهم وكسلهم عن الخروج . وقال في رواية أخرى : حبسهم ، قال مقاتل : وأوحى إلى قلوبهم اقعدوا مع القاعدين . وقد بين - سبحانه - حكمته في هذا التثبيط والخذلان قبل وبعد فقال :
إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ
( 45 ) [ التوبة : 45 ]
وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ
( 46 ) [ التوبة : 46 ] . فلما تركوا الإيمان به وبلقائه وارتابوا بما لا ريب فيه ولم يريدوا الخروج في طاعة اللّه ، ولم يستعدوا له ولا أخذوا أهبة ذلك كره - سبحانه - انبعاث من هذا شأنه ، فإن من لم يرفع