تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
فنقول للسائل : قعودهم مبغوض له ، ، لكن هاهنا أمران مكروهان له سبحانه وأحدهما أكره له من الآخر ؛ لأنه أعظم مفسدة . فإن قعودهم مكروه له ، وخروجهم على الوجه الذي ذكره أكره إليه ، ولم يكن لهم بد من أحد المكروهين إليه - سبحانه - فدفع المكروه الأعلى بالمكروه الأدنى ، فإن مفسدة قعودهم عنه أصغر من مفسدة خروجهم معه ، فإن مفسدة قعودهم تختص بهم ، ومفسدة خروجهم تعود على المؤمنين ، فتأمل هذا الموضع . فإن قلت : فهلا وفقهم للخروج الذي يحبه ويرضاه ، وهو الذي خرج عليه المؤمنون ؟ قلت : قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارا . وإن حكمته - سبحانه - تأبى أن يضع التوفيق في غير محله ، وعن غير أهله ، فاللّه أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله . وليس كل محل يصلح لذلك ، ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته . فإن قلت : وعلى ذلك فهلا جعل المحال كلها صالحة ؟ قلت : يأباه كمال ربوبيته وملكه ، وظهور أسمائه وصفاته ، وفي الخلق والأمر . وهو - سبحانه - لو فعل ذلك لكان محبوبا له ، فإنه يحب أن يذكر ، ويشكر ، ويطاع ، ويوحد ، ويعبد ، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان ، وهو محبته لجهاد أعدائه ، والانتقام منهم ، وإظهار قدر أوليائه وشرفهم ، وتخصيصهم بفضله وبذل نفوسهم له في معاداة من عاداه ، وظهور عزته وقدرته وسطوته وشدة أخذه وأليم عقابه ، وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ولو تناهوا في العلم والمعرفة - إلى الإحاطة بها ، ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفى عليهم كنقرة عصفور في بحر .

فصل

وأما التزيين فقال تعالى :
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
[ الأنعام : 108 ] . وقال
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ فاطر : 8 ] . وقال :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأنعام : 43 ] . أضاف التزيين إليه منه - سبحانه - خلقا - ومشيئة وحذف فاعله تارة - ونسبه إلى سببه ومن أجراه على يده تارة . وهذا التزيين منه - سبحانه - حسن ، إذ هو ابتلاء واختبار بعيد ؛ ليتميز المطيع منهم من العاصي ، والمؤمن من الكافر ، كما قال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
( 7 ) [ الكهف ] . وهو من الشيطان قبيح .