يطرق ، ومنه شخص بصر الميت ، ولما مالت الأبصار عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب اشتغلت عن النظر إلى شيء أخر ، فمالت عنه وشخصت بالنظر إلى الأحزاب .
وقال الكلبي : مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم .
وقال الفراء : زاغت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة تنظر إليه .
قلت : القلب إذا امتلأ رعبا شغله عن ملاحظة ما سوى المخوف ، فزاغ البصر عن الوقوع عليه ، وهو مقابله .
فصل
وأما الخذلان فقال تعالى :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ
[ آل عمران : 160 ] .
وأصل الخذلان : الترك والتخلية ، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى وتركت صواحباتها : خذول .
قال محمد بن إسحاق في هذه الآية : إن ينصرك اللّه فلا غالب لك من الناس ولن يضرك خذلان من خذلك ، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس ، أي لا تترك أمري للناس ، وارفض الناس لأمري .
والخذلان : أن يخلي اللّه تعالى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها ، والتوفيق ضده : ألا يدعه ونفسه ، ولا يكله إليها بل يصنع له ويلطف به ، ويعينه ويدفع عنه ، ويكلأه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه ، فمن خلى بينه وبين نفسه فقد هلك كل الهلاك ؛ ولهذا كان من دعائه صلى اللّه عليه وسلم : « يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت ، برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، ولا إلى أحد من خلقك » « 1 » .
فالعبد مطروح بين اللّه ، وبين عدوه إبليس ، فإن تولاه اللّه لم يظفر به عدوه ، وإن خذله ، وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة .
فإن قيل : فما ذنب الشاة إذا خلى الراعي بين الذئب وبينها ، وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه ؟
هامش
( 1 ) أبو داود ( 5090 ) في الأدب ، باب : ما يقول إذا أصبح ، وأحمد ( 4 / 42 ) .