ووصولهم إليها ، كما سألوا أن يؤمنوا إذا جاءتهم ؛ لأنهم رأوها عيانا ، وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها ، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه .
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللّه بن عمرو أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :
« إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء » ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك » « 1 » .
وروى الترمذي من حديث أنس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يقول : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك » ، فقلت : يا رسول اللّه ، آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : « نعم ، إن القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلبها كيف يشاء » « 2 » قال : هذا حديث حسن .
وروى حماد عن أيوب وهشام ويعلى بن زياد عن الحسن قال : قالت عائشة رضي اللّه عنها : دعوة كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكثر أن يدعو بها : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » ، فقلت : يا رسول اللّه ، دعوة كثيرا ما تدعو بها ، قال : « إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه » « 3 » .
وقوله :
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ الأنعام : 110 ] . قال ابن عباس : أخذلهم وأدعهم في ضلالهم يتمادون .
فصل
وأما إزاغة القلوب فقال تعالى :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] .
وقال عن عباده المؤمنين إنهم سألوه :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
[ آل عمران : 8 ] .
وأصل الزيغ : الميل ، ومنه زاغت الشمس إذا مالت ، فإزاغة القلب : إمالته ، وزيغه :
ميله عن الهدى إلى الضلال . والزيغ يوصف به القلب والبصر ، كما قال تعالى :
وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
[ الأحزاب : 10 ] وقال قتادة ومقاتل : شخصت فرقا .
وهذا تقريب للمعنى ، فإن الشخوص غير الزيغ ، وهو أن يفتح عينيه ينظر إلى الشيء فلا
هامش
( 1 ) مسلم ( 2654 / 17 ) في القدر ، باب : تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء .
( 2 ) الترمذي ( 2140 ) في القدر ، باب : ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن .
( 3 ) أحمد ( 6 / 91 ) .