وهم معرضون ، فلا أقبح من فعلهم ، ولا أحسن من فعله ، ولو شاء لخلقهم على غير هذه الصفة ، ولأنشأهم على غير هذه النشأة ، ولكنه سبحانه خالق العلو والسفل ، والنور والظلمة ، والنافع والضار ، الطيب والخبيث ، والملائكة والشياطين ، والشاء والذئاب ، ومعطيها آلاتها وصفاتها ، وقواها وأفعالها ، ومستعملها فيما خلقت له ، فبعضها بطباعها ، وبعضها بإرادتها ومشيئتها ، وكل ذلك جار على وفق حكمته ، وهو موجب حمده ومقتضى كماله المقدس ، وملكه التام ، ولا نسبة لما علمه الخلق من ذلك إلى ما خفي عليهم بوجه ما ، إن هو إلا كنقرة عصفور من البحر
فصل
وأما الإغفال فقال تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
[ الكهف : 28 ] .
سئل أبو العباس ثعلب عن قوله :
أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
[ الكهف : 28 ] فقال : جعلناه غافلا ، قال : ويكون في الكلام « أغفلته سميته غافلا ، ووجدته غافلا » .
قلت : الغفل : الشيء الفارغ ، والأرض الغفل : التي لا علامة بها ، والكتاب الغفل :
الذي لا شكل عليه ، فأغفلناه : تركناه غفلا عن الذكر فارغا منه ، فهو إبقاء له على العدم الأصلي ؛ لأنه - سبحانه - لم يشأ له الذكر فبقي غافلا ، فالغفلة وصفه ، والإغفال فعل اللّه فيه بمشيئته ، وعدم مشيئته لتذكره ، فكل منهما مقتض لغفلته ، فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر ، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر .
فإن قيل : فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها ؟
قيل : القرآن قد نطق بهذا ، وبهذا قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
[ المائدة : 41 ] .
وقال :
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
[ المائدة : 41 ]
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ
[ الأنعام : 125 ] .
فإن قيل : فكيف يكون عدم السبب المقتضى موجبا للأثر ؟
قيل : الأثر وإن كان وجوديا فلا بد له من مؤثر وجودي ، وأما العدم فيكفي فيه عدم سببه وموجبه فيبقى على العدم الأصلي ، فإذا أضيف إليه كان من باب إضافته الشيء إلى