تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
بينها وبين ضدها من التفاوت فقد سد على نفسه باب الشفاء بالكلية . واللّه - سبحانه - يهدي عبده إذا كان ضالا ، وهو يحسب أنه على هدى ، فإذا تبين له الهدى لم يعدل عنه ؛ لمحبته وملاءمته لنفسه . فإذا عرف الهدى فلم يحبه ، ولم يرض به وآثر عليه الضلال مع تكرر تعريفه منفعة هذا وخيره ، ومضرة هذا وشره فقد سد على نفسه باب الهدى بالكلية ، فلو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده هداه ، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه ، وأنه إن لم يهده اللّه فهو ضال ، وسأل اللّه أن يقيل قلبه ، وأن يقيه شر نفسه وفقه وهداه . بل لو علم اللّه منه كراهية لما هو عليه من الضلال ، وأنه مرض قاتل إن لم يشفه منه أهلكه ، لكانت كراهته وبغضه إياه مع كونه مبتلى به من أسباب الشفاء والهداية . ولكن من أعظم أسباب الشقاء والضلال محبته له ، ورضاه به ، وكراهته الهدى والحق ، فلو أن المطبوع على قلبه المختوم عليه كره ذلك ، ورغب إلى اللّه في فك ذلك عنه ، وفعل مقدوره لكان هداه أقرب شيء إليه ، ولكن إذا استحكم الطبع والختم حال بينه وبين كراهة ذلك وسؤال الرب فكه وفتح قلبه .

فصل

فإن قيل : فإذا جوزتم أن يكون الطبع والختم والقفل عقوبة وجزاء على الجرائم والإعراض والكفر السابق على فعل الجرائم - قيل : هذا موضع يغلط فيه أكثر الناس ، ويظنون باللّه - سبحانه - خلاف موجب أسمائه وصفاته . والقرآن من أوله إلى آخره إنما يدل على أن الطبع ، والختم ، والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له ، وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه - سبحانه - والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد ، فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك . والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع ، بل كان اختيارا ، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية ، فتأمل هذا المعنى في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 7 ) [ البقرة ] . ومعلوم أن هذا ليس حكما يعم جميع الكفار ، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان