أكثرهم كفارا قبل ذلك ، ولم يختم على قلوبهم ، وعلى أسماعهم . فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار ، فعل اللّه بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة ، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير ، وبعضهم بالطمس على أعينهم .
فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين ، وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة ، وقد يعاقب به إلى وقت ثم يعافي عبده ويهديه ، كما يعاقب بالعذاب كذلك .
فصل
وهنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان ، وهي : الختم ، والطبع ، والأكنة والغطاء ، والغلاف ، والحجاب ، والوقر ، والغشاوة ، والران ، والغل ، والسد ، والقفل ، والصمم ، والبكم ، والعمي ، والصد ، والصرف ، والشد على القلب ، والضلال ، والإغفال ، والمرض ، وتقليب الأفئدة ، والحول بين المرء وقلبه ، وإزاغة القلوب ، والخذلان ، والإركاس ، والتثبيط ، والتزيين ، وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم ، وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي ، وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية ، وجعل القلب قلبا قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته ، وجعل الصدر ضيقا حرجا لا يقبل الإيمان .
وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب : كالختم ، والطبع ، والقفل ، والأكنة ، والإغفال والمرض ونحوها .
ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر .
ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والعشا .
ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي ، وهو نتيجة البكم القلبي ، فإذا بكم القلب بكم اللسان .
ولا تصغ إلى قول من يقول : إن هذه مجازات واستعارات ، فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن اللّه ورسوله .
وكأن هذا القائل حقيقة القفل عنده أن يكون من حديد ، والختم أن يكون بشمع أو طين ، والمرض أن يكون حمى بنافض « 1 » ، أو قولنج « 2 » أو غيرهما من أمراض البدن ،
هامش
( 1 ) نافض : حمى الرعدة .
( 2 ) وقد تكسر لامه أو هو مكسور اللام ويفتح القاف ويضم : مرض معوي مؤلم ، يعسر معه خروج الثفل والريح .