أحدها : أن هذه الأحوال في الكواكب السيارة أعظم آية وعبرة .
والثاني : اشترك أهل الأرض في معرفته بالمشاهدة والعيان « 1 » .
الثالث : أن البقر والظباء ليست لها حالة تختفي فيها عن العيان مطلقا ، بل لا تزال ظاهرة في الفلوات .
الرابع : أن الذين فسروا الآية بذلك قالوا : ليس خنوسها من الاختفاء ، قال الواحدي :
هو من الخنس في الأنف ، وهو تأخر الأرنبة وقصر القصبة ، والبقر والظباء أنوفهن خنس ، والبقرة خنساء ، والظبي أخنس . ومنه سميت الخنساء « 2 » لخنس أنفها . ومعلوم أن هذا أمر خفي يحتاج إلى تأمل ، وأكثر الناس لا يعرفونه . وآيات الرب التي يقسم بها لا تكون إلا ظاهرة جلية ، يشترك في معرفتها الخلائق ، وليس الخنس في أنف البقرة والظباء بأعظم من الاستواء والاعتدال في أنف ابن آدم ، فالآية فيه أظهر .
الخامس : أن كنوسها في أكنتها ليس بأعظم من دخول الطير وسائر الحيوانات في بيته الذي يأوي فيه ، ولا أظهر منه ، حتى يتعين للقسم .
السادس : أنه لو كان جمعا للظبي لقال الخنس - بالتسكين - لأنه جمع أخنس ، فهو كأحمر وحمر ، ولو أريد به جمع بقرة خنساء ، لكان على وزن « فعلاء » أيضا ، كحمراء وحمر ، فلما جاء جمعه على « فعّل » - بالتشديد - استحال أن يكون جمعا لواحد من الظباء والبقر . وتعين أن يكون جمعا لخانس ، كشاهد وشهد ، وصائم وصوم ، وقائم وقوم ، ونظائرها .
السابع : أنه ليس بالبين إقسام الرب تعالى بالبقر والغزلان ، وليس هذا عرف القرآن ولا عادته . وإنما يقسم - سبحانه - من كل جنس بأعلاه ، كما أنه لما أقسم بالنفوس أقسم بأعلاها ، وهي النفس الإنسانية . ولما أقسم بكلامه أقسم بأشرفه وأجله ، وهو القرآن . ولما أقسم بالعلويات أقسم بأشرفها وهي السماء ، وشمسها وقمرها ، ونجومها . ولما أقسم بالزمان أقسم بأشرفه ، وهو الليالي العشر ، وإذا أراد - سبحانه - أن يقسم بغير ذلك أدرجه في العموم ، كقوله :
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ
( 39 ) [ الحاقة ] وقوله :
الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
[ القيامة : 39 ] في قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) انظر المقدمة في الكلام عن « الإعجاز في القرآن » في العلوم الطبيعية .
( 2 ) هي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية الشاعرة الصحابية . توفيت سنة 24 ه .