تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
باب منه : ومن ذلك قوله - سبحانه :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
( 18 ) [ التكوير ] ، أقسم - سبحانه - بالنجوم في أحوالها الثلاثة ، من طلوعها ، وجريانها ، وغروبها . هذا قول على ، وابن عباس ، وعامة المفسرين . وهو الصواب . والخنس جمع خانس ، والخنس الانقباض والاختفاء ، ومنه سمي الشيطان خناسا ، لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبد ربه ، ومنه قول أبي هريرة : فانخنست . والكنس جمع كانس ، وهو الداخل في كناسه ، أي في بيته ، ومنه تكنست المرأة إذا دخلت في هودجها ومنه كنس الظباء ، إذا أوت إلى أكناسها . والجواري جمع جارية ، كغاشية وغواش . قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل ، وهذا قول مقاتل وعطاء وقتادة ، وغيرهم ، قالوا : الكواكب تخنس بالنهار ، فتختفي ولا ترى ، وتكنس في وقت غروبها . ومعنى تخنس - على هذا القول - تتأخر عن البصر ، وتتوارى عنه بإخفاء النهار لها . وفيه قول آخر ، وهو أن خنوسها رجوعها ، وهي حركتها الشرقية ، فإن لها حركتين حركة بفعلها وحركة بنفسها ، فخنوسها حركتها بنفسها راجعة . وعلى هذا فهو قسم بنوع من الكواكب ، وهي السيارة وهذا قول الفراء . وفيه قول ثالث ، وهو أن خنوسها وكنوسها اختفاؤها وقت مغيبها ، فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها ، وهذا قول الزجاج . ولما كان للنجوم حال ظهور ، وحال اختفاء ، وحال جريان ، وحال غروب - أقسم - سبحانه - بها في أحوالها كلها . ونبه بخنوسها على حال ظهورها ؛ لأن الخنوس هو الاختفاء بعد الظهور ، ولا يقال لما لا يزال مختفيا : إنه قد خنس . فذكر - سبحانه - جريانها وغروبها صريحا ، وخنوسها وظهورها ، واكتفى من ذكر طلوعها بجريانها الذي مبدؤه الطلوع ، فالطلوع أول جريانها . فتضمن القسم طلوعها ، وغروبها ، وجريانها ، واختفاءها ، وذلك من آيات ودلائل ربوبيته . وليس قول من فسرها بالظباء وبقر الوحش بالظاهر لوجوه :