تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢

القسم في القرآن

من أحكام القسم

وهو - سبحانه - يقسم بأمور على أمور ، وإنما يقسم بنفسه الموصوفة بصفاته ، وآياته المستلزمة لذاته وصفاته ، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته . فالقسم إما على جملة خبرية - وهو الغالب - كقوله تعالى :
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ
[ الذاريات : 23 ] ، وإما على جملة طلبية ، كقوله تعالى :
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الحجر : 92 - 93 ] . مع أن هذا قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر ، وقد يراد به تحقيق القسم . والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه ، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك ، كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها . فأما الأمور الظاهرة المشهورة ، كالشمس ، والقمر ، والليل ، والنهار ، والسماء ، والأرض ، فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها . وما أقسم عليه الرب فهو من آياته ، فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس . وهو - سبحانه - يذكر جواب القسم تارة - وهو الغالب - وتارة يحذفه ، كما يحذف جواب ( راجع البدائع ) لو كثيرا ، كقوله تعالى :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
( 5 ) [ التكاثر ] وقوله :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ
[ الرعد : 31 ] ،
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
[ الأنفال : 50 ]
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
[ سبأ : 51 ]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ
[ الأنعام : 30 ] ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام ؛ لأن المراد أنك لو رأيت ذلك لرأيت هولا عظيما ، فليس في ذكر الجواب زيادة على ما دل عليه الشرط . وهذه عادة الناس في كلامهم ، إذا رأوا أمورا عجيبة وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها يقول أحدهم : لو رأيت ما جري يوم كذا بموضع كذا ؟ ومنه قوله تعالى :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
( 165 ) [ البقرة ] فالمعنى في أظهر الوجهين : لو يرى الذين ظلموا في الدنيا إذ يرون العذاب في الآخرة ، والجواب محذوف ، ثم قال :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
، كما قال تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
[ سبأ : 51 ] ،