تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ
[ الأنفال : 50 ] أي لو ترى ذلك الوقت وما فيه . وأما القسم ، فإن الحالف قد يحلف على الشيء ثم يكرر القسم ، فلا يعيد المقسم عليه ؛ لأنه قد عرف ما يحلف عليه . فيقول : واللّه إن لي عليه ألف درهم ، ثم يقول : ورب السماوات والأرض ، والذي نفسي بيده ، وحق القرآن العظيم ، ولا يعيد المقسم عليه ؛ لأنه قد عرف المراد . والقسم لما كان يكثر في الكلام اختصر ، فصار فعل القسم يحذف ويكتفى بالباء ، ثم عوض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة والتاء في أسماء اللّه ، كقوله :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[ الأنبياء : 57 ] وقد نقل : ترب الكعبة ، وأما الواو فكثيرة « 1 » .

أمثلة من قسم القرآن

من ذلك قوله في قصة لوط عليه السّلام ومراجعته قومه له :
قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
( 72 ) [ الحجر : 70 - 72 ] أكثر المفسرين من السلف والخلف - بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعا ، أن هذا قسم من اللّه بحياة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجلّ بحياته ، وهذه مزية لا تعرف لغيره . ولم يوافق « 2 » الزمخشري على ذلك ، فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط ، وأنه من قول الملائكة فقال : هو على إرادة القول ، أي قالت الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ، وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين ، بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف لا أهل التعطيل والاعتزال . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لعمرك ، أو حياتك ، قال : وما أقسم اللّه تعالى بحياة نبي غيره . والعمر والعمر واحد ، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح ؛ لإثبات الأخف ، لكثرة دوران الحلف على ألسنتهم ، وأيضا فإن العمر حياة مخصوصة . فهو عمر شريف عظيم أهل أن يقسم به ؛ لمزيته على كل من أعمار بني آدم . ولا ريب أن عمره وحياته صلى اللّه عليه وسلم من أعظم النعم والآيات ، فهو أهل أن يقسم به . والقسم به أولى من القسم بغيره من المخلوقات « 3 » .
هامش
( 1 ) التبيان ( 1 - 3 ) . ( 2 ) قال الزمخشري : وقيل الخطاب - يعني في الآية - لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له . . . ) الكشاف ( 2 / 317 - 318 ) . وانظر الطبري ( 14 / 44 ) . ( 3 ) التبيان ( 429 ) .