تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
ومثال ثالث :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] . ومثال الرابع : « لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم » . فهذه صورة وردوها على النفي والإثبات . وأما حكم ذلك فأمران ، أحدهما : نفي الأول لنفي الثاني لأن الأول ملزوم ، والثاني لازم والملزوم عدم عند عدم لازمه . والثاني : تحقق الثاني لتحقق الأول ؛ لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه . فإذا عرفت هذا فليس في طبيعة « لو » ولا وضعها ما يؤذن بنفي واحد من الجزءين ولا إثباته ، وإنما طبعها وحقيقتها الدلالة على التلازم المذكور ، لكن إنما يؤتى بها للتلازم المتضمن نفي اللازم أو الملزوم أو تحققها ، ومن هنا نشأت الشبهة فلم يؤت بها لمجرد التلازم مع قطع النظر عن ثبوت الجزءين أو نفيهما ، فإذا دخلت على جزءين متلازمين قد انتفى اللازم منهما ، استفيد نفي الملزوم من قضية اللزوم لا من نفس الحرف . وبيان ذلك أن قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] لم يستفد نفي الفساد من حرف « لو » ، بل الحرف دخل على أمرين قد علم انتفاء أحدهما حسا ، فلازمت بينه وبين من يريد نفيه من تعدد الآلهة - وقضية الملازمة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه - فإذا كان اللازم منتف قطعا وحسا ، انتفى ملزومه لانتفائه ، لا من حيث الحرف . فهنا أمران ، أحدهما : الملازمة التي فهمت من الحرف ، والثاني : انتفاء اللازم المعلوم بالحس . فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم انتفاء اللازم والملزوم ب « لو » فمن هنا قالوا : إن دخلت على مثبتين صارا منتفيين ، بمعنى : أن الثاني منهما قد علم انتفاؤه من خارج ، فينتفي الأول لانتفائه . وإذا دخلت على منفيين أثبتتهما لذلك أيضا ؛ لأنها تدخل على ملزوم محقق الثبوت من خارج فيتحقق ثبوت ملزومه ، كما في قوله : « لو لم تذنبوا » « 1 » . فهذا الملزوم - وهو صدور الذنب - متحقق في الخارج من البشر فتحقق لازمه وهو بقاء النوع الإنساني وعدم الذهاب به ؛ لأن الملازمة وقعت بين عدم الذنب وعدم البقاء ، لكن عدم الذنب منتف قطعا ، فانتفى لازمه وهو عدم الذهاب بنا فثبت الذنب وثبت البقاء وكذلك نفيه الأقسام الأربعة يفهم على هذا الوجه .
هامش
( 1 ) مسلم ( 2749 / 11 ) في التوبة ، باب : سقوط الذنوب بالاستغفار توبة .