تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
أبعد النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم ، وأتى بما ينبو اللفظ عنه . وقال غيره : السجود كان في دينهم قبل الركوع ، وهذا قائل ما لا علم له به . والذي يظهر في الآية - واللّه أعلم بمراده من كلامه - أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها ، فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ، ثم ما هو أخص من الأخص . فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء ، وأنواع الطاعة . ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ، ويشرع في الصلاة ، فهو أخص من مطلق القنوت . ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة ، فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله . ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه ، وهما طريقتان معروفتان من الكلام : النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص ، إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعمّ . ونظيرها :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
[ الحج : 77 ] فذكر أربعة أشياء ، أخصها : الركوع ، ثم السجود أعم منه ، ثم العبادة أعم من السجود ، ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله والذي يزيد هذا وضوحا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله :
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
[ الحج : 26 ] ، فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة ، وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة ، ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج ، وهو أعم من الطواف ، لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها - ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثنى شرعا . وإن شئت قلت : ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت ، ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد ثم الصلاة التي تكون في البلد كله بل في كل بقعة ، فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله - رحمه اللّه - مزيد السبق وفضل التقدم « 1 » .
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ( 1 / 61 - 81 ) .