تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
محفوفا بحمد قبله وحمد بعده ، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم
الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم ، وأنه يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبرة ، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم ، فالمراد ظاهر والحكمة باطنه ، والعلم ظاهر والخبرة باطنه ، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة ، وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة ، فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها . فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه ، وحكمته وعلمه على أكمل الوجود . ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي ، فقال :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
[ الحديد : 4 ] ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه ، وهما الرحمة والمغفرة ، فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته ، ويعفو عن زلتهم ، ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته ، فقال :
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
[ سبأ : 2 ] ، فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته ومغفرته ، وهو - سبحانه - يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم ، فمن الأول قوله :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
[ غافر : 7 ] ؛ ومن الثاني :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
[ النساء : 12 ] فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ، ومن رحمة إلى علم . وحملة العرش أربعة : اثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك ، واثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك « 1 » . فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم ؛ لأن العفو إنما يحسن عند القدرة ، وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم ، وقدم الرحيم في هذا الموضع لتقدم صفة العلم فحسن ذكر « الرحيم » بعده ليقترن به فيطابق قوله :
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
[ غافر : 7 ] ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر وتضمن ما قبلها جلب الخير ، ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير ، قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع . ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور . وأما قوله تعالى :
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
( 43 ) [ آل عمران ] فقد
هامش
( 1 ) انظر الدرر المنثور للسيوطي ( 7 / 274 ) عن هارون بن رئاب بلفظ « حملة العرش ثمانية » وقال : أخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب . وذكره ابن كثير ( 4 / 78 ) عن شهر بن حوشب .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 241 | ابن قيم الجوزية