والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما قال تعالى :
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
( 6 ) [ النحل ] . والانتفاع بها أكثر من الحرث ، فإنها ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية ، إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع ، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ؛ ولهذا قال بعض السلف - وقد رأى سكة : ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل ، فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه .
ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره ، وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث ما وقع في القرآن إلا في موضع واحد وهو قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ التوبة : 111 ] ، وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله :
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
[ الصف : 11 ] وقوله :
وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
[ التوبة : 20 ] ، وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس ، وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده ؟ وهذا لم يتعرض له السهيلي رحمه اللّه .
فيقال أولا : هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال ، كما يجب بالنفس ، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه ، فإن كان عاجزا وجب عليه أن يكتري بماله ، وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا .
ومن تأمل أحوال النبي صلى اللّه عليه وسلم وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم في الجهاد قطع بصحة هذا القول ، والمقصود تقديم المال في الذكر ، وإن ذلك مشعر بإنكار ، وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرا على أن يغزي بماله لا يجب عليه شيء ، فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال فكيف يقال : لا يجيب به ، ولو قيل : إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس ، لكان هذا القول أصح من قول من قال : لا يجب بالمال ، وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر .
وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب ، وهي : أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه ، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها ، فندب اللّه تعالى محبيه المجاهدين في سبيله ، إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون اللّه هو أحب شيء إليهم ، ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه ، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه ، نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها ، وهي