تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
بذل نفوسهم له . فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه ، فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفعه وماله ، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه . وهذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية ؛ ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده ، فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه ، فر وتركهم فلم يرض اللّه من محبيه بهذا ، بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتها . وأيضا فبذل النفس آخر المراتب ، فإن العبد يبذل ماله أولا يقي به نفسه ، فإذا لم يبق له مال بذل نفسه ، فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقا للواقع . وأما قوله :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ التوبة : 111 ] فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاء وجنته ، فكانت هي المقصود بعقد الشراء ، والأموال تبع لها ؛ فإذا ملكها مشتريها ملك مالها ، فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء ، فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها ، فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنا لا مزيد عليه . فلنرجع إلى كلام السهيلي - رحمه اللّه - وأما ما ذكره من تقديم الغفور على الرحيم فحسن جدا . وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو « أول سبأ » ، ففيه معنى غير ما ذكره ، يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى ، وأسمائه الحسنى ، في أول السورة إلى قوله :
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
، فإنه ابتدأ - سبحانه - السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم ، وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله ، مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره ، فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه ، ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد ، فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
، ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا ، فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه ، وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا ، وقرن بين الملك والحمد على عادته تعالى في كلامه ، فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما ، فله كمال من ملكه وكمال ومن حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر ، فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا ، والحمد بلا ملك يستلزم عجزا ، والحمد مع الملك غاية الكمال ، ونظير هذا العزة والرحمة ، والعفو والقدرة ، والغنى والكرم . فوسط الملك بين الجملتين ، فجعله