تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضدين ؛ أحدهما طلب الإيجاد ، والآخر طلب الإعدام ، كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف . الموضع الثاني : قوله تعالى :
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ
، إلى قوله :
ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
[ التحريم : 5 ] ، فقيل : هذه واو الثمانية ، لمجيئها بعد الوصف السابع ، وليس كذلك ، ودخول الواو هاهنا متعين ؛ لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء ، وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما ، فتعين العطف لأن المقصود أن يزوجه بالنوعين : الثيبات والإبكار . الموضع الثالث : قوله تعالى :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
[ الكهف : 22 ] قيل : المراد إدخال الواو هاهنا لأجل الثمانية . وهذا يحتمل أمرين : أحدهما : هذا . والثاني : أن يكون دخول الواو هاهنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم : سبعة ثم ابتدأ قوله :
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
، وذلك يتضمن تقرير قولهم ( سبعة ) ، كما إذا قال لك : زيد فقيه فقلت : ونحوي ، وهذا اختيار السهيلي . وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله :
وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
ليس داخلا في المحكي بالقول ، والظاهر خلافه . واللّه أعلم . الموضع الرابع : قوله تعالى :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[ الزمر : 71 ] ، لما كانت سبعة . وهذا في غاية البعد ، ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها ، بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة ، وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها ، ففتحت في وجوههم ، لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه . وأمّا الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة اللّه ، وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره شرع لهم أبوابها ، ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب ، أتي بالواو العاطفة هنا الدالة على أنها جاءوها بعد ما فتحت أبوابها ، وحذف الجواب تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره ، كعادتهم في حذف الأجوبة « 1 » . وكذلك القاعدة أن الشيء لا يعطف على نفسه ؛ لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل ، لأنك إذا قلت : قام زيد وعمرو ، فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو . والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم : كذبا ومينا ، فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك . ولهذا
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ( 3 / 51 - 55 ) .