تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
الطَّوْلِ
[ غافر : 1 - 3 ] ، فأتي بالواو في الوصفين الأولين وحذفها في الوصفين الأخيرين ؛ لأن غفران الذنب وقبول التوب قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما فمن غفر الذنب قبل التوب ، فكان في عطف أحدهما على الآخر ، ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران ، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمه . أحدهما يتعلق بالإساءة والاعتراض وهو المغفرة . والثاني يتعلق بالإحسان والإقبال على اللّه ، والرجوع إليه وهو التوبة ، فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة ، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر وكلما كان التغاير أبين ، كان العطف أحسن ، ولهذا جاء العطف في قوله :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] ، وترك في قوله :
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ
[ غافر : 3 ] ، فترك العطف بينهم لنكتة بديعة ، وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته - سبحانه - وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول ، وطوله لا ينافي شدة عقابه ، بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية ، ولهذا فسرها النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء » « 1 » . فأوليته وآخريته أبديته . فإن قلت فما تصنع بقوله :
وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه ، فيجتمع في حقه الظهور والبطون ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم فسر الظاهر بأنه الذي ليس فوقه شيء ، والباطن الذي ليس دونه شيء ، وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة . قلت : هذا سؤال حسن ، والذي حسن دخول الواو هاهنا أن هذه الصفات متقابلة متضادة ، وقد عطف الثاني منهما على الأول للمقابلة التي بينهما ، والصفتان الأخريان كالأولين في المقابلة ، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخر إلى الأول ، فكما حسن العطف بين الأولين حسن بين الأخريين . فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها ؛ لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها ، كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد ، فلم يحتج إلى عطف ، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة ، حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته ، مطلوب تعيينه ، لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر ، بل لا بد أن يظهر أمر بالمعروف بصريحه ونهيه عن المنكر بصريحه ، وأيضا فحسن العطف هاهنا ما تقدم من التضاد ، فلما كان
هامش
( 1 ) مسلم ( 2713 / 61 ) في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : ما يقول عند النوم وأخذ المضجع .