ومن تأمل هذا في الخلق انتفع به انتفاعا عظيما ولا حول ولا قوة إلا باللّه « 1 » .
العطف في القرآن الكريم
الكلام على واو الثمانية « 2 » :
قولهم : إن الواو تأتي لثمانية ليس عليه دليل مستقيم ، وقد ذكروا ذلك في مواضع ، فلنتكلم عليها واحدا واحدا .
الموضع الأول : قوله تعالى :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ التوبة : 112 ] فقيل : الواو في
وَالنَّاهُونَ
واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة ، وذكروا في الآية وجوها أخر ، منها : أن هذا من التفنن في الكلام أن يعطف بعضه ، ويترك بعضه . ومنها : أن الصفات التي قبل هاتين الصفتين صفات لازمة متعلقة بالعامل ، وهاتان الصفتان متعديتان متعلقتان بالغير فقطعتا عما قبلها بالعطف .
ومنها : أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . وكل هذه الأجوبة غير سديدة ، وأحسن ما يقال فيها : إن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد ، فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغيرها في نفسها ، وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها . وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها ، وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة . وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض ، بحسب هذين المقامين ، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد ، حسن إسقاط حرف العطف ، وإن أريد الجمع بين الصفات أو التنبيه على تغايرها ، حسن إدخال حرف العطف . فمثال الأول :
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ
[ التوبة : 112 ] وقوله :
مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ
[ التحريم : 5 ] ، ومثال الثاني قوله تعالى :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
[ الحديد : 3 ] .
وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى :
حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ( 3 / 183 - 185 ) .
( 2 ) انظر تحقيق المسألة والأقوال فيها في كلامنا على جزء اللغة لابن القيم ، وراجع المغني لابن هشام ( 402 ) والواو المزيدة للعلائي ( 142 ) .