ومن ذلك : أنه حرم عليهم في الصيام إذا نام أحدهم أن يأكل بعد ذلك أو يجامع ، ثم خفف عنهم بإباحة ذلك إلى الفجر « 1 » .
ومن ذلك : أنه أوجب عليهم تقديم الصدقة بين يدي مناجاة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فلما وطنوا له أنفسهم على ذلك ، خففه عنهم « 2 » . ومن ذلك تخفيف الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشرا « 3 » .
وهذا كما قد يقع في الابتلاء بالأوامر ، فقد يقع في الابتلاء بالقضاء والقدر ؛ يشدد على العبد أولا ثم يخفف عنه وحكمه تسهيل الثاني بالأول وتلقي الثاني بالرضا وشهود المنة والرحمة . وقد يفعل الملوك ببعض رعاياهم قريبا من هذا ، فهؤلاء المصادرون يطلب منهم الكثير جدا ، الذي ربما عجزوا عنه ثم يحطون إلى ما دونه لتطوع لهم أنفسهم بذلة ويسهل عليهم . وقد يفعل بعض الحمالين قريبا من هذا ، فيزيدون على الحمل شيئا لا يحتاجونه إليها ، ثم يحط تلك الأشياء ، فيسهل حمل الباقي عليهم .
والمقصود أن هذا الباب من الحكمة خلقا وأمرا ، ويقع في الأمر والقضاء والقدر أيضا ضد هذا ، فينقل عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه ؛ لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة فلا تحمله ولا تنقاد له . وهذا كتدريجهم في الشرائع شيئا بعد شيء دون أن يؤمروا بها كلها وهلة واحدة ، وكذلك المحرمات . ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة أولا ركعتين ركعتين ، فلما ألفوها زيد فيها ركعتين أخريين في الحضر . ومن هذا أنهم أمروا بالصيام وخيروا فيه بين الصوم عينا وبين التخيير بينه وبين الفدية ، فلما ألفوه أمروا بالصوم عينا . ومن هذا أنهم أذن لهم بالجهاد أولا من غير أن يوجبه عليهم ، فلما توطنت نفوسهم وباشروا حسن عاقبته وثمرته أمروا به فرضا .
وكذلك يقع مثل هذا في قضائه وقدره مقدر على عبده بل لا بد منه اقتضاء حمده وحكمته فيبتليه بالأخف أولا ، ثم يرقبه إلى ما هو فوقه حتى يستكمل ما كتب عليه منه .
ولهذا قد يسعى العبد في أول البلاء في دفعه وزواله ولا يزداد إلا شدة ؛ لأنه كالمرض في أوله وتزايده ، فالعاقل يستكين له أولا وينكسر ويذل لربه ، ويمد عنقه خاضعا ذليلا لعزته ، حتى إذا مر به معظمه وعمرته وأذن ليله بالصباح ، فإذا سعى في زواله ساعدته الأسباب .
هامش
( 1 ) سبق بيانه .
( 2 ) سورة المجادلة ( 12 ) .
( 3 ) آية التخفيف في سورة البقرة ( 234 ) والآية المنسوخة ( 240 ) .