تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 788

مساهمون:

ص٧٨٨
فأمّا قوله تعالى :
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ
فإنّما المراد به أنّهم قالوا ذلك بأنفسهم وأفواههم بغير إشارة ولا كتاب ولا مراسلة لأنّ القائل قد يقول : قلت لزيد كذا وهو يعني أمرت من يقول له ، وراسلته به ، وكتبت بذلك إليه ، وأشرت إشارة ورمزت رمزا ، قال اللّه تعالى :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ « ثَلاثَةَ أَيَّامٍ » إِلَّا رَمْزاً
[ آل عمران : 41 ] ، وقال الشاعر :
وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحدرتا كالدّر لما ينظم
وقال آخر :
وتخبرني العينان ما القلب كاتم * فإذا قال له قلت له بفمي ولساني
زالت التأويلات . وكذلك الجواب في قوله :
يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
لأنّه أراد أنّهم تولّوا خطّه بأيديهم لا بواسطة وأمر منهم ، وعلى وجه ما يقول القائل : كتب رسول اللّه إلى النجاشيّ ، وكتب الخليفة إلى فلان ، أي أمر بالكتاب إليه . فأمّا قوله تعالى :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
، فإنّه أراد جنس الطيران دون السرعة في الأمر والقصد لأنّ القائل من العرب قد يقول لمن يأمره طر وأسرع في هذا الأمر ، أي بادر ، ويقول : طرت إلى فلان ، أي أسرعت ، فإذا قيل طار الشيء بجناحيه انصرف إلى جنس الطيران بالجناح الذي هو الأصل الذي يشبّه به السرعة في القصد والأمر . فأمّا قوله :
وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
فإنما أورده تعالى على مذهبهم في قولهم نفسي التي بين جنبيّ ، ونفسه لا تكون إلا بين جنبيه . فأمّا قوله تعالى :
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
، فهو لأنّ السقف قد يخرّ عليهم من / تحتهم إذا كانوا في الغرف ، وقد يقول القائل : خرّ عليّ في
الإنتصار للقرآن — صفحة 788 | محمد بن الطيب الباقلاني