تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 775

مساهمون:

ص٧٧٥
يقينا فإن كنت في شكّ مما قد أخبرتك به وريب مما قلته فسل فلانا ، وسل غيري ، وإنّما يورد ذلك على وجه التأكيد والتثبيت للعارف بما يقوله ، لا على أنّه في الحقيقة شاكّ مرتاب في خبره ، وكذلك قد يهدد المرء من يعلم أنه لا يخالفه ولا يعصيه ويقول له : إن عصيتني عاقبتك ، إذا علم أنّ ذلك لطف له في التمسّك بطاعته والانزجار عن معصيته وإذا علم أنّ سامعي توعّده يصلحون ويرهبون سماع ذلك الوعيد ، وإذا كان ذلك كذلك زال تعلّقهم بالآية . وأمّا قوله تعالى :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] ، و
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] ، وقوله :
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 138 ] ، فلا منافاة بينه وبين قوله :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ
[ آل عمران : 7 ] لأمور : أحدها : أنّه يمكن أن يكون المراد بقوله تبيانا لكلّ شيء ، وهذا بيان للناس على قول من وقف على قوله :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[ آل عمران : 7 ] ، وجعل قوله :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
[ آل عمران : 7 ] واو استئناف ، أنّه سبحانه ما فرّط فيه من شيء فرض على المكلّفين علمه والعمل به والمصير إلى موجبه ، وجعلهم في حرج ومأثم في الجهل به ، أو رعاهم وندبهم على سبيل القصد إلى معرفته ، وكذلك قوله :
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
و
بَيانٌ لِلنَّاسِ
، إنما أراد به أنّه لما ألزموه وكلفوه وأخذوا بمعرفته ، ولم يرد تعالى أنه بيان لما لا نهاية له من معلوماته على وجه التفصيل ، ولا أنّه بيان لجميع ما تعبّد به من شرائع من سلف من النبيين ومشتمل على شرح جميع سنن المتقدمين وأقاصيص الأولين . ولذلك قال :
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
[ النساء : 164 ] ، ولا أراد أنه بيان لتأويل ما لا يعلم تأويله إلا اللّه