وليس يجب إذا اختلف العلماء في ذلك وخيّروا فيه ، إذا استوت عندهم التأويلات ، وخيّرت العامة في استفتاء من شاءوا منهم أن يكون ذلك مصيّرا لكتابه مختلفا ، كما أنّه لا يجب إذا خير العلماء والعامة في الكفارات الثلاثة أن يصير حكمه مختلفا ، فإذا كان ذلك كذلك ثبت أن التأويل في نفي الاختلاف ما قلناه دون ما ظنوه .
وقد يمكن أيضا أن يكون تعالى عنى بقوله :
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
عاريا من دليل قائم على صحيح ما اختلف فيه من فاسده ، حتى يصير لعروّه من ذلك مشكلا ملبسا لا سبيل إلى معرفة المراد بتأويله والقصد به ، ولم يرد نفي الاختلاف الذي قام الدليل على صحّة صحيحه وبطلان فاسده ، فإذا كان ذلك كذلك زال ما تعلقوا به .
فأما قوله تعالى :
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ
[ الفيل : 4 ] ، و
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
[ الذاريات : 33 ] « 1 » ، وقوله :
قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً
[ الإنسان : 15 - 16 ] فإننا قد أبنّا الجواب عنه والمراد به فيما سلف بما يغني عن رده .
فأما قوله تعالى :
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
[ يونس : 94 ] ، مع قوله :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
[ البقرة : 285 ] ، والخطاب له عند كافة أهل التأويل ، والمراد به أمته ، وهذا مما يسوغ ويجوز في اللغة ، ومثله قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] ، الخطاب له والمقصد به غيره ، على أنه قد يجوز أن يقول القائل لغيره في الأمر الذي يعلم أنه يحقه ويعرفه /
هامش
( 1 ) هكذا الآية ، وقد وردت في الأصل : « وأرسل عليهم حجارة من طين » وليس في القرآن آية على هذا النسق ، والصواب ما أثبتناه .