علامة على الكفر والإيمان إذا قال الرسول لا يدخل هذه الدار إلا مؤمن باللّه وبرسوله ، أو كافر باللّه وبرسوله ، لا لأجل تضمّن الأكوان التي هي دخول الدار لوجود الإيمان باللّه أو الكفر به على ما بيناه في غير أهل الكتاب ، وكل مخبر من أهل الكتاب المظهر لليهودية وغيرها من الملل ، إما أن يكون جاحدا بقلبه ومظهرا بلسانه ما ليس فيه أو يكون مخبرا عن اعتقاد موطن لوجود الباري وقدمه وتوحيده ، وتقليد منه في ذلك ، وهو يظنّه علما ، فيكون لذلك جاهلا باللّه وغير مؤمن به ، وإذا كان ذلك كذلك بطل قولهم إنّ اليهوديّ مؤمن باللّه واليوم الآخر ، هذا جوابنا .
وقد أجاب قوم عن ذلك بأن قالوا إنما أراد بقوله في صفة اليهود وأهل الكتاب بعد قوله :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
[ التوبة : 28 ] ، بأنهم لا يؤمنون باللّه أنّ أفعالهم ، أفعال من لا يؤمن باللّه ويضاهون أفعالهم وطرائقهم ، فيكون / ذلك على طريقة التشبيه لهم بمن لا يؤمن باللّه ، لا على نفي الإيمان عنهم على التحقيق ، كما يقول القائل : هذا الظالم الجبار لا يؤمن باللّه ، أي : فعله وطريقته فعل من لا يؤمن باللّه على مذهب التشبيه .
وأجاب آخرون عن ذلك بأنهم قالوا : إنما عنى بقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
الذين ابتدأ بذكرهم في قوله :
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا
، فقال :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
، فحذف تكرار لفظة الذين ، وقد يكرّر هذا اللفظ تارة ويستثقل تكراره أخرى ، ويقتصر على ذكره دفعة واحدة على وجه الحذف والاختصار وإذا كان ذلك كذلك بطل ما تعلّقوا به في هذه الآية من جميع الوجوه .