تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 742

مساهمون:

ص٧٤٢
والجواب عن هذا أنّ المذكور في تأويل هذه الآية أنّ أسلافهم قالوا لنا قربة ومحبة منه كقرب الولد من والده ومحبّة الوالد لولده ، ولم يقولوا إنّهم أبناء اللّه على مثل قول النصارى لعنهم اللّه في المسيح إنّه ابن اللّه وقنوم من أقانيمه ، وقد يقول القائل : أنا ابنك وأخوك ، أي : خبر لك ومكاني منك مكان أخيك وأبيك ، وتقول : أنت ابني وولدي أي : مكانك مني ولطيف منزلتك عندي ومنّي كمنزلة ولدي وأقرب الناس إليّ ، ومثل هذا غير منكر في مجاز الكلام ، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلّقوا به . قالوا : ومن الإحالة الواردة في القرآن قوله :
فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ
[ المائدة : 26 ] ، قالوا وقد روي / أنّهم كانوا عسكرا كثيرا ومحال في مستقرّ العادات والضرورات أن يتيه العالم الكثير في قطعة من الأرض اتسعت أو ضاقت أربعين سنة لا يهتدون إلى الخروج منها . فيقال لهم : خرق هذه العادة من آيات موسى عليه السلام وكان زمن خرق العادات ، فإذا أراد اللّه تيههم والانتقام منهم بذلك محى الآثار وأبطل العلامات وخالف بين الآراء وطمس على القلوب وألقى في القلوب الشكوك في غير المحجّة ، فتاه الخلق عند ذلك ، وانخرقت بما يفعله العادة ، وكان ذلك من حجج النّبوة فزال ما قلتم . وقد تأول قوم الآية على أنّه لم يرد بالتيه أربعين سنة ضلالهم وذهابهم عن الطرق ، إنّما عنى بذلك ، أنّه فرض عليهم الجولان في تلك الأرض أربعين سنة وحبسهم فيها وحرّم عليهم الخروج عنها عقوبة لهم على ما سلف من خلافهم وإجرامهم ، فشبّه مقامهم ودورانهم في تلك الأرض أربعين سنة بحال الذين يتيهون في الأرض ، وهذا إن صحّ الخبر عنه فليس ببعيد في التأويل ، فبطل ما توهموه .