تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 735

مساهمون:

ص٧٣٥
له « قبل » الأول ، لأنّه قال :
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
، يعني قبل / إنزال العذاب عليهم ، وما أنزله فيكون « قبل » هاهنا قبل إنزال العذاب عليهم وما أنزله ، فتكون قبل هاهنا قبل إنزال ، ثم قال : من قبله ، أي من قبل رؤيته ، والنّظر إليه ، فيكون « قبل » الثاني وارد بغير ما ورد له الأول ، فالأول قبل إنزال ما أنزل و « قبل » الثاني قبل النّظر ، وقد يجوز أيضا أن يكون ذكر قبل مرتين على وجه التأكيد وعلى مثال قولهم : عجّل عجّل ، واضرب اضرب ، والأسد الأسد ، ونحوه قال الشاعر :
يرمي بها من فوق فوق وماؤه * من تحت تحت شربه يتغلغل
فأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[ الجاثية : 24 ] ، وقولهم : هذا قول دهرية جحدة ، فكيف يقرّون بالحياة بعد الموت ، وهم يستجهلون معتقد ذلك فإنّه لا تعلّق أيضا فيه من وجهين : أحدهما : أنّهم قالوا ذلك على وجه التقديم بما هو مؤخر عندهم فكأنّهم قالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا نحيا ونموت ، فقالوا مكان ذلك نموت ونحيا ، كما تقول العرب شربت وأكلت ، والأكل قبل الشرب ، يعنون أكلت وشربت ، وكذلك قولهم : نروح ونغدوا ، والغدوّ قبل الرواح . والوجه الآخر : أنّهم لم يريدوا بذلك أنفسهم فقط ، بل عنوا به جنس الناس ، فقالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ، ويحيا قوم بعدنا من نسلنا ، ويموت أولئك ويجيء بعدهم آخرون ، وأن أهل الدنيا لا ينفكّون من موت وحياة ، ولا حياة ولا موت في دار غيرها فأكذبهم اللّه تعالى في ذلك ، وقال : إنّ ذلك ظنّ منهم وتوهّم وأخبر به في غير موضع فبطل ما قدّروه .