للعموم الذي هو استغراق جنس ما وقع عليه الاسم ، لما قد بيّناه في الفقه وغيره من الكلام في الوعيد .
والوجه الآخر : أنه أراد بقوله :
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
أنه يغفرها بالتوبة منها والنّدم عليها والعزم على ترك معاودة أمثالها ، وقد دخل في ذلك الكفر والشرك وما دونهما وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
، يعني أنّه يغفر ما دون الشرك بغير توبة تفضلا منه ، ولا يغفر الشرك بغير توبة ، ولا يتفضل على المشرك بذلك فخالف بين المشرك والموحّد في هذا الباب ، وهذا أيضا ينفي ما ظنوه من التناقض والاختلاف .
والوجه الآخر : أنّه أراد على قول قوم أنّه يغفر الذنوب جميعا التي هي صغائر إذا وقعت مجانبة للكبائر ، فلذلك قال :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ النساء : 31 ] ، فهذه الآية عندهم مفسرة لذلك ومثبتة لمعناها ، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما توهّموه .
وأمّا قوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[ الإنسان : 1 ] ، وقولهم إنّ هذا تناقض ، لأنّه لا يجوز أن يأتي على ما هو إنسان حين لا يكون فيه شيئا وهو مع ذلك إنسان ، فإنّه باطل لأنّه أراد - وهو أعلم - أحد معنيين :
أحدهما : أنّه أتى عليه وهو معدوم حين لم يكن فيه إنسانا ولا شيئا بل كان عدما متلاشيا ، وقوله :
عَلَى الْإِنْسانِ
إنما يعني : هل أتى على الإنسان أي على من صار إنسانا بعد أن لم يكن شيئا ولا إنسانا .
والوجه الآخر : أنّه أراد بذلك أنّه قد أتى على آدم عليه السلام حين وهو مصوّر من طين ، لم يكن شيئا حيّا عاقلا مذكورا بالحياة والتمييز والتحصيل