ثم نفخت فيه الروح / ، فصار حيا عالما مذكورا بالخيرة مخاطبا ، والعرب تقول : كم أتى عليك من دهر وزمان لم تكن فيه شيئا تعني بذلك أنّك لم تكن مقدّرا فيها إنسانا يذكر ، وممن يفكر فيك وتخطر على بال ، وإن كان قد كان شخصا ماثلا وشيئا ثابتا .
فأمّا تعلقهم بقوله :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
[ الحج : 2 ] ، و
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] وأمثاله ، فإنّما عنى به سبحانه أنّهم من شدة الخوف والفزع بمثابة السكران والثّمل وما هم مع ذلك بسكارى ، أي هم عقلاء عالمون بما ينالهم ، والعرب تقول : فلان قد أسكره الجوع والعطش ، وأسكره المال والغمر ، أي : جعله بمثابة السكران وإن كان عاقلا مميزا ، وقوله :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
، أي : كأنّهم ينظرون إليك ، وهم لا ينظرون ، يعني به أمثلة العيون من الأصنام وضربه مثلا لمن يسمع ولا يعقل ولا ينتفع ويبصر ولا يستدلّ ، ولا يعتبر على ما قلناه من قبل .
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[ الأعراف : 107 ] ، وقوله :
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
[ النمل : 10 ] ، وأنّ ذلك متناقض لأنّ الجانّ صغير الحيات والثعبان كبيرها ، فإنّه باطل لأنّه قال :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
ثم قال :
تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ
، فقال : كانت مع كبرها وعظمها تهتز وتسرع في المشي والتلوي والتثني اهتزاز الجانّ الصغير ، وهذا غاية الهول من منظرها وإظهار الآية والأعجوبة فيها ، ولم يقل فإذا هي جانّ فيكون ذلك نقيض قوله ، فإذا هي ثعبان مبين ، وإنّما قال تهتز كأنّها جانّ فبطل ما ظنّوه .
فأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
[ الروم : 49 ] ، وقولهم : كيف أدخل « قبل » مرتين وما معنى هذا الكلام ؟ فإنّه أيضا لا تعلّق فيه ، لأنّه يجوز أن تكون « قبل » الثاني لغير ما ورد