تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 674

مساهمون:

ص٦٧٤
ويمكن أيضا أن يكون أراد بقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي إلا للأمر بعبادتي والتكليف لذلك ، وقد كانوا مأمورين وعلى صفة ما أراد منهم من كونهم مكلفين مأمورين بالطاعة والإيمان ، ولم يرد أنه خلقهم لكي تقع العبادة منهم أبدا ، وفي كل وقت ، وإنّما أراد أنّهم يكونون مأمورين بذلك في سائر الأوقات ، أعني أوقات السلامة من الجنون والآفات ، والأحوال المانعة الصادة عن التكليف ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قاله الملحدة والقدرية . فأما تعلّقهم / بقوله تعالى :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] ، فلا معارضة بينه وبين إخباره بأنّه أضلّ الكافرين من ثمود وغيرهم ، لأنّه يمكن أن يكون أراد بقوله : هديناهم أرشدناهم وبيّنّا لهم ، فاستحبّوا العمى على الهدى ، أي فلم ينقادوا لما بيّن لهم ، وذلك لا ينفي أن يكون قد خلق استحبابهم العمى على الهدى وضلالهم عن الحق ، لأنّ خلقه لضلالهم لا ينافي بيانه للحق لهم من طريق القول والخبر ، وذكر الأدلة ومراقيها فكأنّه إنّما أراد بالهداية هاهنا الإرشاد بالقول والدلالة ، ويكون إنّما سمّي البيان والإرشاد بالقول هداية على معنى أنّنا بيّنا لهم بالقول بيانا لو قبلوه وانتفعوا به ، لكان هداية لهم ، ولم يرد بذلك أنّ القول هداية لهم ، وإن لم يقبلوه وينتفعوا به ، وتقدير الكلام : وأمّا ثمود فهديناهم وآتيناهم من القول والبيّنات ما لو قبلوه وصاروا إليه لكان هداية لهم ، فلا منافاة إذا بين هذه الهداية وبين إضلاله لهم بخلق الضلال وتضييق الصدور . ويحتمل أن يكون أراد بقوله :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
، الإخبار عن قوم خلق هدايتهم ، وإيمانهم ثم استحبّوا العمى بعد ذلك على الهدى ، بالرّدة عن الإيمان ، وذلك لا ينقض بعضه بعضا ، لأنّنا