تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
منهم أجمعين في الآخرة اضطرارا فيكون وما خلقنا بمعنى وما يخلق في المستقبل كما قال :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] يعني عاقبة أمره وهم إنّما التقطوه ليكون لهم حبيبا ، وكذلك قول الشاعر :
أموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدّهر نبنيها /
يريد أنّ ذلك عاقبة أمرها ، ولم يرد أنّ المال يجمع للوارث ، وأنّ الدور تبنى لخرابها وكذلك قوله :
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
[ يوسف : 36 ] ، أي ما يكون خمرا ويؤول حاله إلى ذلك ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنّه الملحدون من تعارض ، وما ظنّه القدريّة من التأويل . وممّا يدلّ على ذلك أيضا أنّ أهل التأويل قالوا : إنّ قوله
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي لكي يعبدون ، وكلّ كي من اللّه تعالى فهي نافذة واجبة ، وإن كانت غير نافذة ولا واجبة من المخلوقين في جميع الأحوال قال تعالى :
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
[ مريم : 97 ] . وقد يسّر به وأنذر ونفذ الأمر فيها كما أخبر ، وقال تعالى :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
[ الحج : 52 - 53 ] وقد قدّر ذلك ، وكذلك قوله :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
[ الفرقان : 1 ] وقد كان وتمّ وقامت حجة النذارة به ، في أمثال لهذه الآيات كثيرة قد تم وانبرم فيها خبر كي ، لأنّها من اللّه تعالى واجبة نافذة ، فلو كان اللّه أراد أنّه خلق جميع الإنس والجن لعبادتهم له ، ولم يمتنع أحد منهم من عبادته ، ولكنّه تعالى أراد البعض منهم دون الكلّ .
الإنتصار للقرآن — صفحة 673 | محمد بن الطيب الباقلاني