تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
الأول ، وإن كان هو الخالق ، لأنّ الجزاء عليه لم يقع من حيث الخلق ، ولكن من حيث اكتسبوه على ما بيّناه في كتاب « خلق الأفعال » ، وكذلك قوله :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
، كأنّه ضلال عظيم مخصوص حكم تعالى بأنّه لا يضلّ به إلا بعد خلقه بضرب من الضلال دونه في الفاسقين ، فإذا فسقوا بالضلالة الأولة ، أضلّهم بالضلال الثاني الذي هو أعظم وأضرّ من الأوّل ، وكذلك قوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التوبة : 115 ] إنّما هو متوجه إلى ضلال مخصوص ، فكأنّه قال : وما كان اللّه ليضلّ قوما بذلك الضرب من الضلال حتى يبيّن لهم ما يتّقون ثم يعصون في البيان الأوّل ، يضلّهم بالإضلال العظيم الثاني على سبيل العقوبة والانتقام ، وإن كان / قد قيل في تأويل الآية وجه آخر ، وليس بين إخباره بأنّه لا يضلّ بضرب من الضّلال إلا قوما فسقوا وضلّوا وزاغوا عن الحق ، وبين إخباره بأنّ كلّ ضلال ابتداء فهو المضلّ به تناقض ولا منافاة وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه . فأمّا القدريّة فإنّ جميع هذه الآيات عليهم لأنّهم فريقان ، فريق زعم أن اللّه لا يضلّ أحدا بفعل شيء فيه ، وإنّما يضلّ بمعنى الحكم والتسمية بالضلال ، وهو عندهم يضلّ بالحكم والتسمية على طريق الابتداء ، وعلى غير وجه الابتداء ، لأنّه لا يجوز عندهم أن لا يسمي أحدا بضلالة ضالا إلا حتى يكون منه ضلالا قبل ذلك وزيغ قلب ، لأنه يسمّى بالضلال والزيغ الأول ، وإن لم يكن قبل ضلاله ضلال ولا زيغ ، فلا حجّة لهم في هذه الآيات . ولو جاز أن لا يسمّي اللّه بالضلال إلا من كان فيه فسق وضلال تقدم لجاز أيضا أن لا يسمّى الفسق والضلال الثاني إلا من كان منه ضلال أول ،