قالوا ذلك على وجه النفاق واعتقاد خلاف ما يظهرون من هذا القول ، وعلى وجه الهزل بالرسول والإنكار لقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام :
137 ] ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 107 ] ،
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ] ، ونحو هذا القول ، فقالوا هذا القول على وجه الردّ والإنكار ، كما قال سبحانه في ذمّهم بقولهم :
أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ
[ يس : 47 ] ، وهذا القول حق لمن قالوه معتقدين لصحّته ولكنّهم / قالوا ذلك على سبيل التكذيب للرسول ، وكما ذمّ المنافقين بقوله تعالى :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] ، فأكذبهم في قولهم ، لأنّهم قالوه نفاقا على غير وجه الاعتقاد لصحّته ، ويدلّ على ذلك أنّ القوم كانوا يجحدون الرحمن وينكرونه ولا يعرفون اللّه سبحانه فيكف يصدّقون بأنّه لو شاء الرحمن ما عبدوهم .
قال اللّه تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً
[ الفرقان : 60 ] ، وقال تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
[ الأنعام : 107 ] ، فقالوا هم لما سمعوا ذلك لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء قال اللّه سبحانه :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
[ الأنعام : 148 ] ، فأخبر أنّهم قالوا هذا القول على وجه التكذيب ، وكل هذا ردّ على الملحدة والقدرية ، وكيف يجوز أن يعرف اللّه سبحانه ويعرف أنّه لو يشاء أن يؤمن لآمن من هو كافر ومن هو غير عارف به ، هذا جهل ممّن ظنّه وتوهّمه لأنّهم لو عرفوا اللّه وعرفوا أنّه قادر على أن يلطف بهم ويجعلهم مؤمنين لكانوا مصدقين أبرارا ، ولم يكونوا كافرين مكذبين ولم يقل اللّه :
كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
[ يونس : 39 ] ،