تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
ثم أخبر تعالى فيما قدّمنا ذكره من الآي وغيرها أنّه فعل بالضالّين والكافرين من ضيق الصدور والطبع على القلوب والختم ، وجعل الأكنّة عليها ، والتغشية على الأبصار نقيض ما فعله بالمؤمنين وأخبر عن أوليائه وأصفيائه ، ومن هو أعلم باللّه من جميع الملحدة والقدريّة أنّهم رغبوا في أن يفعل بهم ما فعله بالمؤمنين وأن يجمعهم عليه ويجنّبهم ما فعله بالكافرين ، فقال تعالى فيمن أحسن الثناء عليه وأقرّ بالاقتداء به :
وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ الحشر : 10 ] ، وهذا قول من قد علم أنّ جعل الغلّ في قلوبهم من فعل اللّه ربّ العالمين ، ولو لم يجز ذلك عليه ، وكان فعله ظلما وسفها على ما يقوله المبطلون ، لكان ذلك رغبة إلى اللّه في أن لا يفعل ما يستحيل في صفته وما إذا فعله كان بفعله ظالما جائرا سفيها ، وكلّ سائل وراغب إلى / اللّه فيه جاهل به ومستخفّ مفتر عليه ، واللّه تعالى يجلّ عن أن يثني على قوم هذه سبيلهم وصفتهم . وليس يجوز أن يكون مرادهم بقولهم ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا أي لا تسمينا غالّين ومدغلين ومنافقين ونحو ذلك ، لأنّهم لا بدّ أن يكونوا إنّما رغبوا إليه في أن لا يسمّيهم بذلك ، إذا فعلوا الغلّ والنفاق والإدغال وإذا لم يفعلوه ، فإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسمّيهم بقبح أفعالهم وموجب صفاتهم ، وإن فعلوا ذلك ووقع منهم بذلك رغبة إليه في السّفه والإغراء بمعاصيه وقلب اللغة ، وإبطال الترغيب والترهيب والكذب في خبره ، والتسوية بين أعدائه وأوليائه ، والظلم بأهل طاعته إذا لم يفرّق في الأسماء القبيحة بينهم وبين حالي الإجرام والذنوب ، واللّه سبحانه لا يثني على قوم هذه صفتهم ، وإن كانوا رغبوا إليه في أن لا يسمّيهم بذلك إذا لم