يفعل الغلّ والنفاق فكأنّهم إنّما رغبوا إليه في أن لا يكون عليهم ولا يضيف إليهم ما لم يكن منهم ، ويصفهم بما ليس في صفتهم ، وفي أن لا يظلمهم ولا يجوز عليهم في ذمّهم بما لم يكن منهم ، واللّه يجلّ عن هذه الصفة وعن مدح قوم رغبوا إليه في أن لا يكون على هذه الأوصاف .
وكلّ هذا يدلّ على ما قلناه ، وعلى إبطال ما قاله القدريّة والملحدون في آيات اللّه ، وكذلك القول في كلّ رغبة وقعت من مؤمن في أن يجعله مؤمنا مصدّقا وأن لا يجعله كافرا ولا ضالا نحو قول إبراهيم :
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] ، ولا يجوز أن يكون معنى هذه الدعيّة أن سمّينا مسلمين إذا أسلمنا أو سمّينا بذلك ، وإن لم نسلم ولا أن تبيّن لنا وأمرنا لأحد سبق منه هذا الأمر وتقدّم إليه وإلى غيره من الكافرين ، فالتعلّق بكلّ هذا تعليل وتمريض .
وقولهم بعد ذلك : إنّ هذه الدعوات من الرّسل والمؤمنين إنّما وقعت / على وجه الرغبة فقط ، لا معنى لها ولا يجوز على غير ما رغبوا إليه فيه ، وأنّها بمثابة قوله لنبيّه :
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
« 1 » ، وقد علم أنّه لا يجوز عليه الحكم بغير الحقّ وإنّما ذلك أمر بالرغبة فقط ، إنّما هو لبس وقصد للتمويه لأنّ التأويل في قوله :
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
: أي عجّل الحكم به كلّه أو بعضه ، لأنّه تعالى له تعجيل الحكم بالحقّ وله تأخيره ، وليس له عند المعتزلة تقديم جعل الغلّ للمؤمنين في القلوب ولا تأخير ذلك ولا يصحّ أن يقع منه بحال ، وهذا يبطل تمويهاتهم بهذه الأباطيل .
هامش
( 1 ) ورد في الأصل : « وقل رب احكم بالحق » ، والحقّ أنّ الآية بدون واو ، ورواية حفص فيها : « قال رب احكم بالحق » بالفعل الماضي ( قال ) ، وقرأ الباقون بضمّ القاف وإسكان اللام من غير ألف على أنّه فعل أمر « قل » . « غيث النفع في القراءات السبع » ( ص 295 ) .