تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
[ الأنعام : 109 - 110 ] ، افترى أنّه فعل بهؤلاء ما فعله بمن قال وألّف بين قلوبهم ، وبمن قال وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها ، لولا الجهل والعناد وقصد التمويه والإلباس ؟ وكيف يكون ذلك كذلك واللّه تعالى يقول :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ هود : 118 - 119 ] ، فأخبر أنّه للخلاف الذي لا يزالون عليه خلقهم ، وأنّه قد حقّت كلمته بأن يملأ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين ، ولا يجوز أن يكون قوله ولذلك خلقهم منصرفا إلى الرّحمة وهو يقول :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[ الأنعام : 125 ] ، ويقول :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 112 ] ،
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ] ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ
[ الأنعام : 137 ] ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا
[ الأنعام : 107 ] ، فكلّ هذا يدلّ على بطلان تأويلهم . وأمّا تعلّق القدريّة في كثير من إخباره تعالى بإنعامه على المؤمنين وتأليفه بين قلوبهم واستنقاذهم من جهنّم وحرمان الكفّار ذلك أجمع ، بأنّه إنّما أريد بذلك إعطاؤه تعالى للمؤمنين الألطاف الداعية لهم إلى فعل الطاعة ، والجامعة لهممهم عليها ، وأنّه ليس له مثل هذه النّعمة والهداية على الكافرين ، فإنّه أيضا باطل من قولهم ، لأنّ اللّطف عندهم واجب على اللّه سبحانه / فعله بعد تكليفهم وقبح منه تركه ، كما أنّه يجب عليه فعل الإقدار والتمكين وفعل الثواب والجزاء بعد الطاعة ، فمحال منه إذا أن يمتنّ على المؤمنين بما هو واجب عليه ولازم له ، ولأنّه تعالى أيضا عندهم غير قادر على إعطاء مثل ذلك اللطف للكافرين ، ولا هو عنده وفي خزائنه وسلطانه ،