وكيف لا يجوز على اللّه ما قلناه وهو تعالى يقول :
وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 166 ] وليس يجوز أن تكون هزيمة من انهزم وانحرافه بأمر اللّه وإيجابه ، وإنّما أراد بذكر إذنه قضاءه وقدره وما قذفه في قلوبهم ، وقد قال تعالى :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
( إلى قوله )
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
[ المائدة : 13 - 14 ] ، فأخبر أنّه جعل قلوبهم قاسية وأنّه أغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، وليس هذا من الحكم والتسمية بسبيل ، ولأنّ ذلك لو كان كذلك لكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وكل منتم لهم ، وحاكم عليهم يجعله إيمانهم قد أغرى العداوة بينهم وجعل قلوبهم قاسية ، وهو ما لا يقوله أحد .
وقال سبحانه :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها
[ الأنعام : 25 ] ، فأخبر بتغطية قلوبهم وليس ذلك من التسمية بسبيل ، وقال :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ / وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ الأنعام : 84 - 88 ] ، ولو كان الهدى منه لا يكون إلا بمعنى الدعوة والبيان لم يكن لهذا الامتنان عليهم معنى ، ولكان قد هدى بهذا الهدى جميع المكلّفين ، ولم يكن لقوله :
يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ
معنى ، وكلّ هذا يبطل ما قالوه .
وقال تعالى في نقيض صفة هؤلاء الأنبياء :
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ