تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 651

مساهمون:

ص٦٥١
السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا
[ الأعراف : 155 ] ، فأخبر عنه أنّه أضاف فتنتهم وضلالهم إليه ، وأنّه يضلّ بها من يشاء ويهدي بهداه من يشاء ، هذا مع المرويّ عنه في التفاسير ممّا قد بيّنّاه ، ومن قوله : « فممن الخوار ، قال : مني يا موسى ، قال : إن هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء » ، وهذا تصريح منه بمذاهب أهل الحقّ التي أخبرنا عنها ، ومثل هذا أيضا قول موسى :
رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ
[ يونس : 88 ] . وأخبر تعالى بمثل هذا بعينه عن نوح عند ذكر قصته مع قومه وكثرة دعائه لهم فقال تعالى :
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ هود : 32 - 34 ] ، فأخبر عنه أنّه اعتقد وقال إنّ نصحه غير نافع لهم ، إن كان اللّه يريد أن يغويهم ، ولو لم يجز أن يعذّبهم اللّه ، وأن يزيد غيّهم وضلالهم / يضف إرادة ذلك إليه سبحانه ، ويحيل عليه ضيق المقاليد بالأمر عليه ، ولو تتبّعت قصص الرسل وأقاويلهم لوجدت جميعها شاهدة بما قلناه ، وليس يجوز أن يكون لرسول من الرسل قول ومذهب في القدر وخلق الأفعال والهدى والضلال يخالف مذهب نوح وشعيب وموسى عليهم السلام ، لأنّ ذلك يوجب تكذيب بعض أنبياء اللّه لبعض ، واعتقاد بعضهم فيه تعالى ما لا يليق به ، ولا يجوز في صفته وقد نزههم اللّه عن ذلك ، ورفع أقدارهم وعظم بالإيمان والتقدّم في العلم به على سائر الخلق شأنهم ومكانهم . وكيف لا يكون هذا قول الرسل ودينهم في اللّه تعالى ، وهم يسمعونه يقول في كتبهم مثل الذي قاله لرسولنا في كتابه ، وما هو بمعناه ممّا حكاه