تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 652

مساهمون:

ص٦٥٢
عنهم وما لم يحكه ، واللّه يقول في كتابنا المنزّل على رسوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ
[ النساء : 83 ] ، وقد علم كلّ ذي تحصيل أنّه لا يجوز أن يكون أراد بهذا الفضل الذي لولاه لاتّبعوا الشيطان ، وما زكى منهم من أحد ، وكانوا من الخاسرين ، هو نفس البيان والأمر الذي هو على من ضلّ وخسر واتّبع الشيطان ، فدلّ بذلك على أنّ هذا الفضل هو الهداية لخلق الإيمان وتوسعة الصدور والتوفيق ، وجمع الهمم والدواعي على إيثاره وفعله وأنّه ليس له مثل هذا الفضل على من كفر وضلّ ، وعلى هذا دلّ قوله :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ
[ الحجرات : 17 ] ، ولو كانت الهداية هي الدعوة والبيان فقط ، لكانت هذه المنّة بعينها له على أبي جهل وأبي لهب وسائر الكافرين ، ولو كانت الكتمان والتصديق والطاعة والانقياد من اختراع المؤمنين وخلقهم وتقديرهم دون ربّ العالمين ودون رسوله لم يكن للّه عليهم / منة بالإيمان والتصديق ولا لرسوله ، إذ كان الإيمان فعلهم ومن تقديرهم وواقع باختيارهم ، وكان من المحال أن يمنّ اللّه عليهم بفعلهم وخلقهم ، ولا قدرة له عليه عندهم ولا ملك له يتعلّق عليه ، ولا هو ربّ له ولا إله له . وكذلك قوله سبحانه :
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
[ الحجرات : 7 - 8 ] وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
[ الأنبياء : 101 ] ، وقد علم اللّه أنّه لا يمكن أن يكون هذا التحبيب للإيمان والتزيين له والتكريه للكفر ، هو نفس الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، إذ قد وجد ذلك لمن ليس بمحبّ الإيمان ولا كاره للكفر ، وكذلك فلا يجوز أن تكون الحسنى السابقة للمؤمنين هو سبق بيانه إليهم وترغيبه إيّاهم ، لأنّ