تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
فأمّا إضلال السامريّ لعبدة العجل ، فهذا أيضا بالدعاء لهم إلى ذلك وتزيينه ، وقوله هذا إلهكم وإله موسى ، وبما صنعه من قبضة قبضها من أثر الرسول وما سوّلت له نفسه ، وقد قال اللّه تعالى في قصّة موسى :
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
[ طه : 85 ] ، فبدأ بذكر الفتنة التي بها بدأ ، وذلك أنّ اللّه بصّره أثر الرسول فقبض منه القبضة وجعل للعجل بعد أن صنع خوارا يخور به ويمشي ، وليس ذلك تحت قدرة أحد من الخلق ولولا الخوار ومشيه لما عبده القوم ، ولا كان عليهم فيه شبهة ، وروي من غير طريق عن ابن عباس : « إن العجل كان يخور ويمشي وإن موسى قال : يا ربّ هذا السامريّ أمرهم أن يتّخذوا العجل ، أرأيت الروح من نفخها فيه ؟ قال الربّ : أنا ، قال : فأنت إذا أضللتهم وفي رواية أخرى « يا ربّ علمت أنّ الحليّ حليّ آل فرعون ، وأنّ السامريّ صاغ العجل ، والخوار ممن ؟ فقال مني يا موسى ، فقال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
[ الأعراف : 155 ] » فأخبر موسى أنّ الفتنة من عند اللّه ، وأنّ اللّه يهدي من يشاء ، ويضلّ بها من يشاء / ولم يضف إلى السامريّ ذلك ولا جعله إليه ، وموسى عند القدرية مجبر مذموم بهذا القول ، وإن كانوا يخافون في إظهار ذلك من خوف السيف ، فبان بهذه الجملة كيفية إضافة اللّه تعالى الإضلال تارة إلى نفسه وتارة إلى فرعون والسامريّ وتارة إلى المجرمين ، وتارة إلى إبليس والشياطين ، وأنّه لا تناقض في ذلك ولا تنافي إذا كان منزّلا مرتّبا على ما بيّناه ، وبطل بذلك ما قاله الملحدون وتوهّموه . واعلموا - رحمكم اللّه - أنّ خلق اللّه الروح والخوار والمشي في العجل ، ودعوة السامريّ وإلباس فرعون والمجرمين لا يكون ضلالا إلا لمن استضرّ به وأجاب إليه ، وضلّ عند مشاهدته ، وكان ممّن قسمه اللّه لناره ، ولا يجوز
الإنتصار للقرآن — صفحة 649 | محمد بن الطيب الباقلاني