[ فصلت : 29 ] ، وقد تظاهرت الروايات بأنّ المضلّ من الجن إبليس ، والمضلّ من الإنس ابن آدم الذي قتل أخاه .
وأما إضلال فرعون لقومه ، فإنّما هو الدعوة إلى الضلال وإلباسه عليهم بالشبهات وإشغالهم عن تأمل آيات موسى بقوله :
يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
[ غافر : 36 ] ، ومنه قوله :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما
[ طه : 63 ] ، وبقوله :
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ
[ غافر : 26 ] ، يوهم بذلك أنّه قادر على قتله وأن ربّ موسى لا ينفعه ، ومنه قوله :
يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الزخرف : 51 ] ، يوهم بذلك أنّ هذه صفة من ينبغي أن يعبد ، وقوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ طه :
24 ] ، وقوله :
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
[ القصص : 38 ] ، يوهم قومه أنّه ينادي صاحب الخضر أو يشغلهم ببناء الصرح عن النظر في آيات موسى وتصديقه ، ويتحمل في المدافعة بالأوقات ، / ومنه قوله :
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
[ الزخرف : 52 ] ، يعني : موسى لأجل لثغة كانت في لسانه ، وعقدة ، فعابه لأجلها بأنّه لا يبين عن نفسه ، ثم قال :
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
[ الزخرف : 53 ] ، يوهم أنّه لو كان عظيم الشأن لكان مسوّرا بسوار من ذهب ، لأنّه كذى كان شأن العظيم إذا ارتفع منهم ، أن يسوّر سوارا من ذهب ، فهذا قدر طاقة فرعون ومبلغ ما عنده في إضلاله قومه ، فأمّا أن يكون له سلطان على القلوب والنفوس والإضلال بما ينفرد اللّه سبحانه بالقدرة عليه من ذلك فمعاذ اللّه ، وقد قال اللّه تعالى :
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ
[ غافر : 37 ] ، ولو أمكنه إضلال أحد لأضلّ موسى وقومه ، مع إيثاره لذلك وحرصه عليه ، ولكن ذلك ليس إليه ولا داخل تحت قدرته .