تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 642

مساهمون:

ص٦٤٢
واعلموا - رحمكم اللّه - أن دعوة الرسول لا تكون هداية لأحد ولا توصف بذلك حتى يقارنها قبول المدعو وانتفاعه بها ، ومتى عريت من ذلك لم تكن هداية له ، فلذلك لا يجوز أن يقال إنّ الرسول قد هدى أبا جهل وأبا لهب وسائر من كفر به من قريش ، ولم ينتفع بدعوته لأنّه إذا لم ينتفع المكلّف بالدعوة لم تكن من أسباب هدايته ، وصارت ضررا عليه ووبالا وطريقا إلى عقابه ، لأنّه لو لم تكن الدعوة لم يستوجب العقاب ، فهي إذن ضرر مع عدم القبول والانتفاع ، قال سبحانه وتعالى :
ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )
[ البقرة : 1 - 2 ] ، وقال :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ البقرة : 26 ] ، وقال :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت : 44 ] ، فبيّن بذلك أجمع وأمثاله من الأخبار أنّ الدعوة هداية لمن قبلها وانتفع بها دون من ردّها واستضرّ بورودها ، فبان بهذه الجملة أنّه لا منافاة بين إضافة اللّه سبحانه الهداية إليه ، وبين إضافة الهداية إلى رسله وملائكته والمؤمنين إذا كان من أضافه إلى نفسه من ذلك غير ما أضافه إلى خلقه . على أن الهداية التي أضافها إليهم إنّما هي الدعوة والتزيين والإرشاد والتنبيه والترغيب والتحذير ، وعلى ذلك يدلّ قوله :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
[ الكهف : 56 ] ، / وقوله :
وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ
[ النور : 54 ] ، وكلّ هذا ممّا قد هدى اللّه سبحانه المؤمنين به على وجهين : أحدهما : أنّ نفس دعوة الرسل وترغيبهم وترهيبهم وإرشادهم من فعل اللّه تعالى وخلقه وترتيبه وتدبيره ، فهو أيضا هاد بذلك للمنتفع بالدعوة حسب هداية المكتسب له من الرّسل ، ولا يجوز أن يكون الباري الهادي بهذه الهداية المكتسب لها دون خالقها الذي صارت نفسا حادثة موجودة به دون المكتسب لها ، فوجب لذلك أن يكون لا تناقض بين إضافة الهداية الواحدة
الإنتصار للقرآن — صفحة 642 | محمد بن الطيب الباقلاني