يريد : يمين اللّه لازمة لي لا أبرح قاعدا ، فحذف على وجه الاختصار ، وهذا أكثر من أن يتتبع فمن ادّعى الفساد والتخليط بمثل هذا فقد جهل وأبعد .
قالوا : ومما يدلّ أيضا على نقصان القرآن وتغيير نظمه أنّنا وجدنا في مصحف عثمان ما ليس بملائم ولا متناسب من الكلام ، واللّه يجلّ عن إنزال كلامه على هذا الوجه من الفساد والنقصان .
قالوا فمن هذا قوله تعالى :
* جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
( إلى قوله )
ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ المائدة : 97 ] .
قالوا : فأيّ مناسبة بين جعله البيت الحرام قياما للناس وبين قوله :
« ليعلموا أنّ اللّه يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأنّ اللّه بكلّ شيء عليم ؟ » وهل كان أن لو لم يجعل البيت قياما للناس أن لا يعلموا أنّ اللّه بكل شيء عليم ، وإذا كان بكلّ شيء عليم جعل ذلك أو لم يجعله ، فما معنى هذا الكلام ، وما معنى جعله البيت الحرام والشهر الحرام قياما للناس .
فيقال لهم : ليس الأمر في هذا على ما ظننتم ، وذلك أنّ العرب كانت في جاهليتها تشنّ الغارات ، وتسفك الدماء الحرام ، وتأخذ الأموال بغير الحق وتخفيف السبيل وتطلب الثأر فيقتل بالمقتول قاتله وغير قاتلة ، وبالواحد الجماعة ويقتل القاتل وجاره ومن في ذمامه فجعل اللّه الكعبة البيت الحرام وما حوله والشهر الحرام قوما / للناس أي أمنا لهم ، لأنّ الخائف منهم كان إذا لجأ إلى البيت حقن دمه ، وسلمت نفسه وزال خوفه ، قال اللّه تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
[ العنكبوت : 67 ]