تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، فكأنه قال إنّما مثلكم أيها الناس في عبادة الأصنام وغيرها مثل من عبد إلها لا يقدر على خلق ذبابة ولا يقدر على الاعتصام من سلب ما يسلبهم الذباب في أنّ عابد من هذه صفته جاهل مقصّر وقاصد بالعبادة والتعظيم من لا يجوز له فحذف على وجه الاختصار والاحتذاء بما يدلّ على ما في سياق الكلام ، ومن الحذف والاختصار أيضا حذف جواب القسم ، ومنه قوله :
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً
( إلى قوله )
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
( 5 ) ( ثم قال )
يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
[ النازعات : 1 - 6 ] ولم يذكر ما أقسم لأجله وإنّما معناه والنازعات وكذى وكذى لتبعثنّ ، وكذلك قوله :
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 )
( ثم قال )
بَلْ عَجِبُوا
[ ق : 1 - 3 ] ولم يأت بذكر ما أوقع القسم له ، والتقدير والقرآن لتبعثنّ ، فقال الكافرون هذا شيء عجيب ، فحذف ذكر البعث لما في الكلام من الدلالة عليه من جحد الكفّار للبعث والنشور ، ومن هذا أيضا قوله :
إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ
[ الرعد : 14 ] فأراد إلا كباسط كفّيه إلى الماء ليفيض عليه ليبلغ فاه ، فاستطال وحذف لدلالة الكلام / عليه .
قال الشاعر « 1 » :
فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم * كقابض ماء لم تسقه أنامله
أراد كقابض ماء ليرفعه لم تسقه أنامله ، فحذف واقتصر ، وقد يقع الحذف والاقتصار بالكناية عن غير مذكور تقدّم ، كما نكنّي عما تقدّم له ذكر الاقتصار على دلالة الحال والخطاب ، وما خرج الكلام عليه ، ومنه قوله تعالى :
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً
[ العاديات : 4 ] يعني الوادي ، وقوله :
إِذا جَلَّاها
[ الشمس : 3 ] يعني الدنيا ، ولم يتقدم لها ذكر وقوله :
حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
[ ص : 32 ] يعني
هامش
( 1 ) هذا البيت للشاعر العربي ضابئ بن الحارث البرجمي ، أورد ذلك القرطبي في « تفسيره » ( 19 : 276 ) .