قالوا : ومن هذا الباب أيضا قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
[ محمد : 15 ] ولم يأت بالشيء الذي جعل الجنّة مثلا له ، وهذا يقتضي فساد الكلام وخلوّه من فائدة ، واستعماله على غير ما يجب وذلك ينفي أن يكون من عند الحليم العليم .
يقال لهم : ليس الأمر في ذلك على ما قدمتم لأن المثل قد يكون معناه النسبة الذي هو مماثلة الشيء لغيره ، لأنك تقول : هذا الشيء مثل هذا وأمثاله ، كما تقول هذا شبه الشيء ، وشبيهه وشبهه ، وقد يكون بمعنى صفة الشيء وصورته ، وكذلك المثل والمثال يكون بمعنى الصفة والصورة والخلقة ، يدلّ على ذلك قولهم للمرأة الجميلة الرقيقة الرائعة كأنّها تمثال ومثال أي كأنّها صورة ، وكما يقال كأنّها دمية ، يعني الصورة ، وهذه المرأة مثل أي صورة ، ومنه قولهم مثلت له كذى أي صوّرته ، وأرني مثال الدار ومثال زيد أي : صورة ذلك ، وقولهم : مثّل له الحظّ أي صوّره له ما يقتفي فيه أثر الممثل ، وهذا أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى إكثار وإذا / كان ذلك كذلك حمل قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
إلى آخر ما نعتها به على أنّه أراد أنّ صورتها وصفتها أنّ فيها كذى وكذى .
ومن هذا أيضا قوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] إلى آخر ما وصفهم وصوّرهم ، لأنّه لم يضرب لهم مثلا في أول الكلام ، فيردّ بمثلهم عليهم ، وروي أنّ عليا عليه السلام كان يقرأ :
« مثال الجنّة التي وعد المتّقون » ، و « أمثال الجنّة » ، وهذا بمثابة مثل الجنّة .
فأمّا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
[ الحج : 73 ] فإنه إنّما لم يأت بالمثل ، لأنّ في الكلام معناه ، وما يدلّ عليه وهو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ