جائزا ، غير أنّه ممّا يقل استعماله ومعرفة النّاس بجوازه ، ويكون الأظهر الأشهر غيره ، وكذلك يسوغ أن ينزّل اللّه الكلمة بقراءتين إحداهما أظهر وأشهر ، ولا ننكر مع ذلك أن يكون الرّسول قد أقرأ في أكثر أيّامه في آخر عمره ، وآخر عرضه عرض القرآن فيها بالوجه الّذي يخالف خطّ المصحف ، ليبيّن لهم أنّه منزّل على ذلك الوجه ، وليستفيض ويظهر عنه ، وأن يكون أكثر النّاس قد قرءوا على عصره وبعده بموافقة خطّ المصحف للّذي هو الأقلّ في الاستعمال ، ولم يلتفتوا إلى أنّ ذلك ليس بمعروف في لغة قريش ، لأنّ الغرض في ذلك القراءة بالجائز ، وما كثر استعماله وأن يؤثروا القراءة على آخر ما وقع عليه العرض ، وإن كان غيره شائعا جائزا ، وإذا كان ذلك كذلك ثبت بما وصفناه جواز القراءتين جميعا وأنّ الكلمة منزّلة على الوجهين جميعا .
وأمّا قوله تعالى :
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
[ البقرة : 177 ] ، فقد اختلفت في وجه القراءة بالصابرين ، فقال بعضهم : هو نصب على المدح ، والعرب تنصب على الذّمّ والمدح ، كأنّهم / - زعموا - قرنوا قراءة المدح بمدح مجدّد غير متّبع لأوّل الكلام ، وقال بعضهم : إنّما نصب الصّابرين لأنّه أراد :
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ
[ البقرة : 177 ] ، لأنّ البأساء الفقر ، وكأنّه قال : وآتى الفقراء ، والضّراء : البلاء في البدن من المرض والزمانة ، وكأنّه قال : وآتى المال الصّابرين من الفقراء وأصحاب البلاء الصّابرين على فقرهم وبلائهم الذين لا يسألون ولا يلحّون ، وجعل الموفين وسطاء بين المعطين والصّابرين نسقا على من آمن باللّه وهذا بيّن غير متعسّف ولا مستبعد ، والقرّاء جميعا على نصب الصّابرين إلّا عاصم الجحدري ،