تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
هذه الطّبقة لا تقرأ بما تعلم أنّه مخالف للتّنزيل ، وأنّ الأمّة لا تترك تأثيمهم وتضليلهم مع علمهم بأنّهم قد قرءوا وأقرءوا النّاس بخلاف المنزّل ، وبما لا يجوز ويسوغ ، وإذا كان ذلك كذلك ثبت بهذه الجملة جواز قراءة هذا الحرف على الوجهين واللّحنين جميعا . وقد كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يختار أن لا يقرأ النّاس إلّا بلغة قريش ، وروى النّاس عنه أيضا : أنّه سمع رجلا يقرأ هذا الحرف من يوسف : ليسجننّه ( عتّى ) « 1 » حين [ يوسف : 35 ] ، فقال له عمر : من أقرأك هذا ، قال : ابن مسعود ، قال عمر :
( لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ )
، ثمّ كتب إلى ابن مسعود : سلام عليك ، أمّا بعد فإنّ اللّه أنزل هذا القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا ، وأنزله بلغة هذا الحيّ من قريش ، فإذا / أتاك كتابي هذا فأقرئ النّاس بلغة هذا الحيّ من قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل » « 2 » . فهذا عمر يختار أن لا يقرأ النّاس إلّا بموافقة لغة قريش ، وليس هذا القول من عمر ، ومن كلّ من روى عنه إنكارا لأن يقرأ الناس بغير لغة قريش إذا كان منزّلا بلغة قريش ، وبوجه يخالف لغتهم ، وكانت الحجّة قد قامت بذلك ، ولكنّه اختيار منهم لملازمة لغة قريش ، لأنّها هي الأظهر المعروفة ، والنّاس لها آلف ، والألسن بها أجرى ، والقلوب لها أوعى ، وليس يمنع ذلك من أن ينزّله اللّه سبحانه بخلاف الوجه الأظهر ، كما أنزله على الوجه الأظهر المعروف ، وقد ينظم الشاعر قصيدة وينشئ الخطيب خطبة ، ويعمل المترسّل رسالة ، فيعرب كلّ واحد منهم بكلمة في قصيدته وخطبته فيكون ذلك سائغا
هامش
( 1 ) عتّى : بدلا من كلمة حتى على لغة هذيل ، وهي قراءة غير متواترة ولم ترد عند القراء العشرة ولا عند رواتهم . ( 2 ) رواه ابن عبد البر في « التمهيد » ( 8 : 278 ) ، وذكره ابن حجر في « الفتح » ( 9 : 27 ) .
الإنتصار للقرآن — صفحة 553 | محمد بن الطيب الباقلاني