السدين ، ولكنه في الآية
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ
لم يجعل له عملا . . ولما كان القرآن كل حرف فيه بميزان دقيق ، فلا بد أنه تعالى يريد أن يقول لنا شيئا في هذه الآية وحدها . إذن ما هي الحكمة المستورة هنا
لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
. . إن الإسكندر قد وصل إلى مناطق في الأرض لا تغيب عنها الشمس فترة طويلة ، أي أنه لا يتعاقب عليها الليل والنهار كباقي أجزاء الكرة الأرضية ، بل تظل الشمس مشرقة عليها لفترة طويلة لا يسترها ظلام . وإذا بحثنا الآن نجد أن هناك مناطق في العالم تغيب عنها الشمس ستة شهور ، فكأنه تعالى يريد أن يخبرنا أن هناك أماكن في الأرض لا تخضع لقواعد تعاقب الليل والنهار كالتي تخضع لها باقي أجزاء الأرض ، وإنما تشرق الشمس عليها دون أن يسترها الظلام لفترة طويلة . . » « 1 »
وهكذا رأينا آيات كثيرة تنطق بالإعجاز القرآني ، وآيات تثبت أن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته ، اعتقاده ، ومشاعره ، وسلوكه ، ودوره في الحياة وإزاء الكون ودقائقه . فموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها . وهذا مدلول قوله :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
( فصّلت / 53 ) . فقد أورد القرآن بعض التفصيلات الدقيقة عن علوم الكون والإنسان وغيرها ، والتي لم تكن معروفة من قبل ، وترك اللّه تعالى لعقول الناس أن تبحث وتجرب وتطبق لتكتشف الأكثر والأوسع ، ولئن اتضحت لأجيالنا حقائق كثيرة بعضها عن الكواكب وحجومها وأبعادها والأرض والفضاء والكيمياء والطب ، حتى الجراثيم شاهدها العلماء بالمجهر ودرسوا تطورها وطرق تكاثرها ومكان وجودها وغير ذلك من الأسرار العلمية التي لم تكن معروفة فوصل إليها الإنسان عن طريق البحث والتجريب ، وسيصل إلى الأكثر
هامش
( 1 ) معجزة القرآن ، ص - 177 - 191 ، باختصار ، طبعة بيروت .