سأموت كافرا ، وقال إن هذا كلام مبلّغ له من اللّه ، وأنا أعلن إسلامي لأثبت لكم أن محمدا كاذب . . لو كان أبو لهب يملك ذرة واحدة من الذكاء لفعل هذا ، ولكن حتى هذا التفكير لم يجرؤ عقل أبي لهب على الوصول إليه . بل بقي كافرا مشركا ، ومات وهو كافر . ولم يكن التنبّؤ بأن أبا لهب سيموت كافرا أمرا ممكنا ، لأن كثيرا من المشركين اهتدوا إلى الإسلام كخالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعمر بن الخطاب وغيرهم . . كانوا مشركين وأسلموا .
فكيف أمكن التنبؤ بأن أبا لهب بالذات لن يسلم ولو نفاقا وسيموت وهو كافر ؟ . المعجزة هنا أن القرآن قد أخبر بما سيقع من عدو ، وتحداه في أمر اختياري كان من الممكن أن يقوله ، ومع ذلك كان هناك يقين أن ذلك لن يحدث ، لما ذا ؟ لأن الذي قال هذا : القرآن . يعلم أنه لن يأتي إلى عقل أبي لهب تفكير يكذب به القرآن . هل هناك إعجاز أكثر من هذا . .
أنتقل بعد هذا إلى النقطة الثانية ؛ وهي ما ذا حمل القرآن لغير العرب في عصره ، ولغير العرب والدنيا كلها بعد عصره . . فقد كان هناك امبراطوريتان كبيرتان بجانب الجزيرة العربية ، هما الروم والفرس . الروم أهل كتاب يؤمنون بوجود إله خالق ، والفرس أهل كفر وإلحاد . لذا حين قامت الحرب بين الدولتين ، وانتصر الفرس على الروم ، فرح المشركون ، وحزن المؤمنون ، هنا جاء القرآن ليزيل عن المؤمنين هذا الحزن ، فيقول في كلام محفوظ متعبد بتلاوته ، لن يجرؤ أحد أن يغيّر ما فيه ، يقول :
ألم ، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ . . .
( الروم / 1 - 5 ) ، ثم يمضي القرآن ليمعن في التحدي
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( الروم / 6 ) . ما هذا ؟ أيستطيع محمد أن يتنبّأ بنتيجة معركة بين الروم والفرس ،