ثم قال صلّى اللّه عليه وسلم لهم : « إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم « فقالوا : بل نأخذ الفداء ، فاستشهدوا بأحد ، فلما أخذوا الفداء نزلت الآية :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . .
الخطاب لأصحاب النبي - أي متاعها - يعني الفداء سمّاه عرضا لقلة بقائه وسرعة فنائه . » « 1 »
ومناسبات النزول هذه سماها العلماء من باب المجاز : أسباب النزول . وهذه من الأمور الهامة في فهم النص القرآني ، لأنها تلقي ضوءا يساعد على كشف المراد منه .
لذلك عني بها المفسرون ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الآيات وإن نزلت بناء على حادثة معينة ، فإن حكمها لا يقتصر على تلك الحادثة ، وإنما يتعداها إلى كل الحوادث المشابهة لو اختلف الزمان والمكان . فمما ورد في سبب نزول قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ . . .
( النساء / 11 ) آراء مختلفة ، منها : « عن جابر قال : مرضت فأتاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعودني وأبو بكر ، وهما يمشيان ، فوجداني أغمي عليّ ، فتوضّأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثم صبّ وضوءه عليّ ، فأفقت .
فإذا النبي صلّى اللّه عليه وسلم جالس ، فقلت يا رسول اللّه كيف أصنع في مالي ، كيف أقضي في مالي ؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث » « 2 » فهذه الآية تتصف بالعموم ، ولا ترتبط بشخص معين ، أو زمان أو مكان محدد . وهكذا بالنسبة للآيات الأخرى المتعلقة بأسباب النزول تتعداها إلى الحوادث المشابهة .
وآخر ما نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم قوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( البقرة / 281 ) .
هامش
( 1 ) تفسير النسفي ، ( 2 / 194 ) .
( 2 ) تفسير الخازن ، ( 1 / 322 ) .