من دبره ، ويخرج من فيه ، ثم يقول لست شيئا للصلصلة ولشيء ما خلقت ، ولئن سلطت عليك لأهلكنك ، ولئن سلطت علىّ لأعصينّك ، قال : فلما نفخ اللّه فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجرى شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما ؛ فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول اللّه تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
[ الإسراء : 11 ] . قال : ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء . قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال : « الحمد للّه رب العالمين » بإلهام اللّه ، فقال اللّه : « يرحمك اللّه يا آدم » ، قال : ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم ، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار ، فقال لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنّا وأقوى خلقا ، خلقتني من نار وخلقته من طين ، يقول :
إن النار أقوى من الطين ، قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه اللّه ، أي آيسة من الخير كله وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته ، ثم علّم آدم الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ، ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم :
أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ
[ البقرة :
31 ] . أي : يقول أخبروني بأسماء هؤلاء
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. إن كنتم تعلمون ، لم أجعل في الأرض خليفة ، قال : فلما علم الملائكة موجدة اللّه عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم
قالُوا سُبْحانَكَ
. تنزيها للّه من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره تبنا إليك
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
[ البقرة : 32 ] . تبريا منهم من علم الغيب إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
[ البقرة : 33 ] . يقول : أخبرهم بأسمائهم
فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ
. أيتها الملائكة خاصة
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. ولا يعلم غيري
وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ
. يقول ما تظهرون
وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
[ البقرة : 33 ] . يقول أعلم السّر كما أعلم العلانية ، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار » .